قصص الأنبياء

قصص الأنبياء

قصص الأنبياء هي عبارة عن قصص دينية عن سِيَر الأنبياء والمرسلين الذين أرسلهم الله للدعوة إلى عبادته وحده وعدم الإشراك به وهي تتناول حياة الأنبياء ومآثرهم وعلى من بُعِثوا ومعجزاتهم وما لاقُوه من صعاب جمَّة في سبيل دعوتهم وكذلك مواقفهم مع قومهم ومصير من آمن أو كفر بدعوتهم والإيمان بنزول الأنبياء والمرسلين رُكناً من أركان الإيمان عند المسلم والاقتداء بهم هو نعم القدوة الحسنة.

كذلك فإننا نتعلم من قصص الأنبياء فضائلهم وأخلاقهم وهي من أفضل القصص التي تُحكى للأطفال لتربيتهم على مكارم الأخلاق وتنشئتهم نشأة إسلامية صحيحة وقد ورد في القرآن إلى جانب السنة النبوية بعض قصص الأنبياء بشكل مفصل أو ذُكر بعضهم بالاسم فيما حملت بعض السور القرآنية أسمائهم وهؤلاء بلغ مجموعهم 25 نبي ورسول هم من سنتناول قصصهم، تحتوي أيضا الكتب السماوية الأخرى كالتوراة والإنجيل على العديد من قصص الأنبياء مع عدة اختلافات في التفاصيل.

وقد كتب الكثيرون عدة كتب حملت عنوان “قصص الأنبياء” ضمن ما يدخل في قالب القَصص الديني والأدب الإسلامي وهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتفسير القرآن. ومن أشهرهم محمد الكسائي في القرن الثاني الهجري وأبو إسحاق إبراهيم بن منصور بن خلف النيسابوري في القرن الخامس الهجري وابن كثير وكذلك كتاب تاريخ الأمم والملوك للطبري وغيرهم. ولا تحظى قصص الأنبياء بالدقة من الناحية التاريخية، فهي تتعلق بالأساس بالحكمة والتعاليم الأخلاقية.

 

الفرق بين النبي والرسول

طبقاً للنبوة في الإسلام، النبي هو شخص اصطفاه الله وبعثه ليدعو الناس إلى عبادته على أحد الشرائع التي نزل بها أحد المرسلين من قبله أما الرسول فهو شخص بعثه الله بشرعٍ ومنهجٍ جديد وأول الأنبياء هو سيدنا آدم عليه السلام وأول الرسل هو سيدنا نوح عليه السلام أما آخر الأنبياء والرسل هو سيدنا محمد وكل رسول نبي لكن ليس كل نبي رسول وكانت النبوة حكراً فقط على الرجال من دون النساء.

 

الإيمان بالرسل

يُمثل الإيمان بالرسل الركن الرابع في الإيمان لدى المسلمين، يقول الله عز وجل: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ). البقرة-الآية 25.

ولمَّا سأل جبريل عليه السلام النبي عن معنى الإيمان قال: “أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره” (رواه مسلم).

 

ختم النبوة وخاتم النبيين

يقصد بختم النبوة وأحياناً يقال له خاتم النبوة علامة يُعرف بها الأنبياء وقد كان ختم النبوة عند النبي عبارة عن غُدَّة أو شامة حمراء في حجم بيضة الحمامة ناحية كتفه الأيسر ووصفه بعض الصحابة بأنها شعيرات فوق كتفه أما خاتم النبيين فهو الرسول الذي بُعث للعالمين كافَّة ولا نبي بعده، يقول الله عز وجل في سورة الأحزاب: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ).

وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن النبي ، قال: “إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلَّا وضعت هذه اللبنة، قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين”. (صحيح البخاري). وبوفاته انقطع الوحي عن الأرض.

 

كم عدد الأنبياء والرسل؟

عدد الأنبياء والرسل غير معروف على وجه التحديد ويختلف العلماء حول هذا الأمر، وينبع ذلك من اختلاف روايات حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه مع رسول الله لما سأله عن عدد الأنبياء والرسل، ففي رواية لما سأله كم المرسلون؟ قال: ثلاثمائة وبضعة عشر، جماً غفيرا.

وفي رواية أخرى قال أبو ذر: يا رسول الله، كم وفاء عِدَّة الأنبياء؟ قال : مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا.

وبعض العلماء يجعل الرقم ثمانية آلاف طبقاً لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه وهذه الأحاديث محل خلاف حول صحتها وإسنادها وبالإضافة إلى ذلك يختلف العلماء حول نبوة ذي القرنين والخضر وتُبَّع هل كانوا أنبياء أم من الصالحين؟

فيما ذهب بعض العلماء إلى أن عدد الأنبياء والرسل لا يعلمه سوى الله لقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ). غافر-الآية 78. والثابت أن الله بعث في كل أمة رسولاً يدعو له بالعبادة والوحدانية، يقول تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا). النحل-آية رقم 26.

 

عدد أنبياء بني إسرائيل

عدد الأنبياء الذين بعثوا لبني إسرائيل غير معروف تحديداً، في حديث منسوب لأنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي أنه قال: “بعث الله ثمانية آلاف نبي، أربعة آلاف إلى بني إسرائيل وأربعة آلاف إلى سائر الناس” إلا أن هذا الحديث يضعِّفُه العلماء.

وفي حديث أبي ذر الغفاري مع النبي في عدد الأنبياء قوله: “وأوَّل نبي من أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى وبينهما ألف نبي”. وقد ذكر القرآن الكريم عدداً من أنبياء بني إسرائيل هم: موسى وهارون وداود وسليمان وإلياس وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام.

أما عدد الأنبياء المبعوثين لبني إسرائيل بالنسبة للعقيدة اليهودية فهم 48 نبي:

  • إبراهيم، إسحاق، يعقوب، موسى، هارون، يشوع (يوشع)، فينحاس، ألقانة، عال، صموئيل (شمويل).
  • جاد، ناثان، داوود، سليمان، يَعْدو، ميخا بن يملة، عوبديا، أخيا الشيلوني، حناني، ياهو بن حناني.
  • عوديد (أبو عزريا)، عزريا بن عوديد، زكريا، يحيى (يحزئيل) بن زكريا، أليعَزَرُ بنُ دوداوا، إشعياء، هوشع، عاموس، ميخا المورشتي، آموص.
  • اليشع بن شافاط، يونان بن أمتاي، إشعياء، يوئيل، ناحوم، حبقوق، صفنيا، أوريا بن شمعيا، إرميا، حزقيال.
  • إيليا (إلياس/التشبى) ، شمعيا، باروخ بن نيريا بن محسيا، نيريا بن محسيا (أبو باروخ)، سرايا، محسيا (أبو نيريا)، حجي، ملاخي، مردخاي بن يائير.

والأنبياء العرب خمسة هم: هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد عليهم الصلاة والسلام.

 

من هم أولو العزم من الرسل؟

يُقصد بأولو العزم من الرسل أكثر الرسل صبراً وتحملاً في سبيل الدعوة إلى عبادة الله وكما جاء في قوله تعالى: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ). وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام.

 

قصص الأنبياء في القرآن الكريم

ذكر القرآن اسم 25 نبياً ورسولاً منهم من له سور قرآنية باسمه وهم: يونس وهود ويوسف وإبراهيم ونوح ومحمد عليهم الصلاة والسلام، بالإضافة إلى ذلك فإن للنبي محمد سورتين بصفتين له هما “سورة المزمل” و”المدثر” أما طه ويس فليست من أسمائه ولا صفاته ولكن حالهما كحال باقي الأربع عشر سورة التي تبدأ بحروف متقطعة مثل (الم) و(الر) وأكثر نبي ذكر في القرآن باسمه هو موسى عليه السلام بعدد 136 مرة.

وسورة الأنعام أكثر سورة ذكرت عدداً للأنبياء بلغ 18 نبي ورسول يقول الله عز وجل: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86)).

وقد ذكر القرآن قصصاً تفصيلية لبعضهم أو بعض مواقفهم ومآثرهم فيما عُرفت باقي قصص الأنبياء والرسل من السنة النبوية، وقصصهم بالترتيب كالآتي:

 

قصة سيدنا إدريس

إدريس عليه السلام هو ثالث نبي من بعد شيث وآدم ويُعرف عند العبرانيين باسم أخنوخ أو خنوخ وهو من جيل الأنبياء الأوائل وجاء في ذكر نسبه أنه إدريس بن يارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم. والبعض يخلط بينه وبين النبي إلياس كنبي واحد ولا يُذكر في القرآن ولا في السنة النبوية شيئاً عن مولده ومكان بعثِه، كذلك لا يُعرف شيء عن زوجته وأولاده ويقال أنه أدرك 308 سنة من حياة آدم قبل وفاته.

فيما يُعتقد أنه ولد إما في العراق (بابل) أو فلسطين أو في مصر وهو يقابل شخصية خنوخ (أنس الله) أو حنوخ التوراتي (حسب رواية الطبري) في العهد القديم والذي يَنظُر إليه اليهود والمسيحيون على أنه رجل صالح وليس نبي، فيما ذهب البعض إلى ربطه بالمعبود المصري أوزوريس وآخرون ربطوه بالشخصية الأسطورية هرمس الهرامسة عند الإغريق.

يَذكُر القرطبي النبي إدريس على أنه أول من خط بالقلم وأول من خاط الثياب بالإبر ولبس المَخِيط وأول من نظر في علوم الفلك والحساب وسكن البيوت والسبب في تسميته إدريس لكثرة دراسته لكتب الله حيث نزل عليه ثلاثين صحيفة وذلك غير مؤكد لا في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية الصحيحة وفي حديث أبي ذر الغفاري (ضعيف الإسناد) مع النبي حول الأنبياء أن قال له: “يا أبا ذر، أربعة – يعنى الرُّسُل – سريانيون: آدم وشيث ونوح وأخنوخ وهو أول من خط بالقلم وأنزل الله تعالى على أخنوخ ثلاثين صحيفة”.

ذُكِرَ سيدنا إدريس عليه السلام مرتين في القرآن الكريم بوصفه نبياً وصبوراً:

  1. في سورة مريم بقوله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57)).
  2. في سورة الأنبياء بقوله تعالى: (وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ (85)).

وجاء في تفسير آية ورفعناه مكاناً علياً أي أن إدريس رُفع إلى السماء الرابعة وفيها قبض ملك الموت روحه وفيها التقى النبي في رحلة الإسراء والمعراج.

ولد سيدنا إدريس عليه السلام وشب ببابل ولما بلغ الأربعين، أتاه الله النبوة فدعا قومه من نسل شيث وقابيل إلى نبذ المعاصي، فلم يؤمن به إلا القليل فخرج بمن معه من بابل متجهاً إلى مصر حتى وصل إلى نهر النيل فلما وقف على ضفته سبَّح الله ويَنسب إليه ابن تغري بناء الأهرامات وذلك لما قرب فيضان النيل وهو ما ذكره السيوطي أيضاً.

وقيل أنه قسَّم أسبوعه إلى ثلاثة أيام كرَّسها لقومه وأربعة كرَّسها لعبادة الله وكما كان مُلماً بحركة الكواكب والنجوم فقد وضع الأوزان والمقاييس ووُصف بالحكمة والفلسفة وبعض الروايات المبكرة نسبت له نزول ثلاثون صحيفة عليه بما عني أنه كان نبياً ورسولاً معاً.

وبالتسليم أن أخنوخ هو إدريس يكون والد إدريس هو يَرِيد (أو يارد) ووالدته بركانه وزوجته عدانة وابنه هو متوشالح الذي سيصبح في نهاية المطاف جد النبي نوح ومن ثم يُعرف إدريس بأنه الجد الأكبر لنوح.
ويدَّعِي بعض المفسرين أن إدريس توفي وله من العمر 800 سنة ويوجد في بلدة الغازية في قضاء صيدا جنوب لبنان مقام يحمل اسمه.

 

قصة سيدنا نوح

نوح عليه السلام ولقبه شيخ المرسلين وأبو الأنبياء الثاني وهو أول رسول في الأرض وأول الرُّسُل من أولي العزم وجاء في السنَّة أنه بينه وبين آدم عشرة قرون وقيل أنه من النسل العاشر لآدم أو حفيده السادس أو السابع، يعتقد أنه ولد بمدينة نهاوند من أعمال إيران حالياً أو بالعراق وجاء في عمره أنه عاش ألف وخمسين سنة أي أنه عاش أكثر من آدم.

وقصة سيدنا نوح المذكورة في القرآن والديانات السماوية ترتبط بقصة الطوفان “طوفان نوح” الذي أغرق قومه الضالين وقد وردت قصة سيدنا نوح مع قومه في القرآن الكريم بشكل تفصيلي في عدة سور بما فيها سورة سُمِّيَت باسمه وهي السورة المكية رقم 71 إضافة إلى سور الأعراف وهود والمؤمنون والشعراء والصافات والقمر وجاء ذكر نوح 43 مرة في القرآن.

فبعدما مات آدم انتشرت المعاصي وعبادة الأصنام وأصلها أنه كان هناك عدداً من الصالحين العابدين فلما توفاهم الله وسوس الشيطان لأبنائهم أن اصنعوا لهم تماثيلاً لتخليد ذكراهم وبمرور الوقت تحوَّل الناس إلى عبادتها. ولما أتَم نوح أربعين سنة بعثه الله إلى قومه ويقال إن اسمهم كان بني راسب ليدعوهم إلى عبادة الله ونبذ الأوثان وذُكِرت هذه الأوثان بأسمائها في القرآن، قال تعالى: (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا). سورة نوح: الآية 23. ولما وقع الطوفان لاحقاً غرقت هذه التماثيل ودفنت على الساحل حتى استخرجها عمرو بن لحي لاحقاً وأعاد عبادتها من جديد بين العرب.

ظلَّ نوح يدعو قومه زهاء 950 سنة كما جاء في قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ). العنكبوت الآية 14، فما كان من قومه إلا أن كذَّبوه وأبوا أن يستمعوا إليه لدرجة وضعهم لأصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا كلامه ولم يُلبِّي دعوته سوى القليل، كان نوحاً صابراً متحملاً إيذاء قومه وسخريتهم منه ومن المؤمنين معه طوال هذه السنوات الطوال، فلما أيقن من عظيم شركهم وعنادهم معه أنذرهم بعذاب الله فلم يزدهم ذلك إلا عناداً.

وهنا دعا نوح على قومه بعدما يئس منهم، فأوحى له الله ببناء فُلْك (سفينة) وخلال عمله عليها كان قومه يسخرون منه بقولهم: “يا نوح صرت نجاراً بعدما كنت نبياً” وكيف لسفينة أن تسير على اليابسة بينما أرضهم ليس بها أنهار ولا بحار ولما فرغ نوح منها أمره الله بحمل من كل حيوان وطير زوجين عليها مع من تبعه وكانت السفينة من ثلاثة مستويات الأول للحيوانات والثاني للمؤمنين والثالث للطيور وقيل أن طولها ثمانين ذراعاً وعرضها خمسين ذراعاً وأوحى الله إلى سيدنا نوح بعلامة إذا وقعت عرف منها أن الطوفان سيقع.

وكانت العلامة هي فَوَرَان التنُّور وقيل إنه ثورة بركان فصعد نوح ومن تبعه وكان عددهم ثمانين إلى الفلك فيما امتنعت زوجة سيدنا نوح وقيل اسمها والهة أو واغلة وابنه يام (أو كنعان) عن الصعود معه فماتا كافرين، حيث هطلت الأمطار بغزارة وضرب طوفان عظيم الأرض فلم يبق عليها أحد وهلك قوم نوح جميعاً وظلت الفلك جارية فوق أمواج كالجبال طيلة 150 يوم ثم أرسل نوح حمامة فعادت له بغُصن زيتون وقد مسَّ رجلها طين فعلم أن الماء انحسر.

واستقرت الفلك أخيراً على جبل الجودي وقيل إنه في تركيا وعاش نوح ستين سنة أخرى من بعد انحسار الطوفان ولم يولد لمن معه ذرية فيما بقت ذرية نوح تتناسل لذلك يطلق على سيدنا نوح أبو البشر الثاني وآدم الثاني في أغلب قصص الأنبياء.

 

قصة سيدنا هود

هود عليه السلام هو أول نبي عربي ينتهي نسبه إلى إرم بن سام أحد أبناء نوح الأربعة وهم حام ويافث إضافة إلى يام ابن نوح العاصي الذي غرق في الطوفان وكان سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم وغير معروف متى ولد هود والثابت أنه أول نبي بعث من بعد الطوفان عندما توفي نوح.

ولسيدنا هود سورة مكية في القرآن تحمل اسمه، رقمها 11 في ترتيب السور وذُكِر اسمه في القرآن سبع مرات بواقع خمس مرات في سورة هود ومرة واحدة في سورة الشعراء والأعراف وقصته غير مذكورة في التوراة أو الإنجيل ضمن قصص الأنبياء الآخرين.

بُعث سيدنا هود عليه السلام إلى قوم عاد وهم قوم عرب كانوا يسكنون شبه الجزيرة العربية لكن أُختلف في تحديد مساكنهم فيها إما إذا كانت في اليمن أو سلطنة عُمان أو الربع الخالي وهناك رأيين حول اسم المكان الذي عاش فيه قوم عاد.

الأول هو أنهم عاشوا في مكان يسمى الأحقاف والذي يعني الرمال الطويلة المِعْوَجَّة وفي تفسير آخر هي التلال العظيمة من الرمال بينما يقول الرأي الثاني أنهم سكنوا مدينة إرم التي وردت في القرآن بإرم ذات العماد التي عدَّها البعض مدينة بها قصور شاهقة ذات أعمدة ضخمة أما ابن كثير فيفسِّر ذلك بأنها كانت خيام ذات أعمدة ضِخام، فيما يرى آخرون أن إرم هو اسم لقبيلة أخرى.

وعُرف عن عاد أنهم قومٌ ضخام ذوي بأس وقوة وكانوا متجبِّرين متكبِّرين في الأرض، قال تعالى في سورة فصلت: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ). الآية-15. وروى المقداد بن معدي كرب عن النبي قوله في قوم إرم ذات العماد: “كان الرجل منهم يأتي إلى الصخرة فيحملها على كاهله فيُلقيها على أي حي أراد فيهلكهم”.

وكان قوم عاد يعبدون ثلاثة أصنام يسموا (صُداء وصَمُود والهباء أو وهرا) فلما بُعِثَ فيهم هود، دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وترك ما لا ينفع ولا يضر، فلَقِيَ منهم السوء والتكذيب وأنكروا نبوته كما أنكروا البعث والحساب ووصفوه بالسُّفه وقد حذَّرهم هود من مغبة شركهم ومن العذاب الأليم الذي ينتظرهم فما كان منهم إلا أن سخروا منه، بل وتحدُّوه حول صدقه بشأن هذا العذاب.

فأرسل عليهم الله ريحاً شديدة صرعتهم استمرت متواصلة ثمانية أيام، يقول الله عز وجل: (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8)). سورة الحاقة. ولم ينج من هذا العذاب سوى الفئة القليلة التي آمنت مع هود وقيل أربعة آلاف نفر كما قيل بوجود قبر النبي هود ببلاد اليمن أو الشام.

 

قصة سيدنا صالح

صالح عليه السلام ولقبه صاحب الناقة لكونها معجزته ويُعرف أيضاً بلقب نبي أصحاب الحِجْر وهم قوم ثمود وهو ثاني أنبياء العرب من بعد هود وقد بعثه الله إلى قوم ثمود وهم كقوم عاد من العرب البائدة التي استوطنت شبه الجزيرة العربية وقيل أن مسكنهم هو الحِجْر وهي الأرض كثيرة الجبال وورد ذكرُها في القرآن بسورة تحمل اسمها وهو الاسم القديم لمدائن صالح الواقعة في الحجاز حالياً.

والتي تُعرف أيضاً باسم “فج الناقة” وجاء ذكرها في الحديث الشريف الذي رواه عبد الله بن عمر: “لمَّا نزل النبي بالناس على تبوك، نزل بهم الحِجْر عند بيوت ثمود”. وقد اتخذ قوم ثمود، التي يُنسب اسمها لأحد أجدادها من نسل سام بن نوح، من الجبال سكناً لها فنحتوا بيوتهم فيها وما تزال مدائن صالح تحوي أطلالهم إلى اليوم فيما يرى المؤرخين أنها جزء من حضارة الأنباط.

وقد ذُكِرت قصة النبي صالح مع قومه في عدة سور كثيرة هي: (الأعراف، هود، الحجر، الشعراء، فصلت، الإسراء، النمل، الذاريات، الحاقة، الفجر، الشمس، التوبة، إبراهيم، الحج، الفرقان، العنكبوت، ص، غافر، ق، النجم والبروج) وذُكر اسم النبي صالح في القرآن الكريم تسع مرات ولم تُذكر قصته في التوراة والإنجيل مع قصص الأنبياء المذكورة فيها.

كان قوم ثمود قد سلكوا نهج سالفيهم من قوم عاد في عبادة الأصنام ولم يتَّعظوا بما حاق بهم وقد أنعم الله عليهم بنعم كثيرة إلا أنهم كحال أغلب الأمم التي بعث الله إليها الأنبياء والمرسلين مبشِّرين بالوحدانية إلى الله ومنذرين بعذاب عظيم لمن كفر بالله واستمر على كفره ومعصيته، فإن ثمود كذَّبت صالح وسخرت منه ومن دعوته وقالت إن سحراً قد مسَّه وكانت حجتهم أن الأصنام هي آلهة آباءهم وأجدادهم التي ورثوا عبادتها وهي نفس حُجَج من سبقهم ومن جاء بعدهم من الأمم البائدة التي رفضت الإيمان بالله فكان جزائها عذاباً شديداً.

أرادت ثمود تعجيز النبي صالح فطلبت منه معجزة لإثبات نبوته وأنه مرسل من الله لكي يؤمنوا به ومعجزات الأنبياء كانت من وسائلهم التي أنعم الله عليهم بها لإقناع المشركين بالإيمان بالله وقد حدَّد قوم ثمود بأنفسهم المعجزة التي أرادوها فطلبوا من صالح أن يخرج لهم من صخرة بجبل أشاروا إليها، ناقة لها عدَّدُوا أوصافها منها أن تكون عشراء وتلد مولودها أمامهم بعد خروجها من الصخرة، فأجابهم صالح إلى مطلبهم شرط أن يؤمنوا بدعوته إن هو صدق معهم في معجزته ودعا صالح ربه فانشقت الصخرة وخرجت منها ناقة عظيمة وضعت ولدها أمامهم وقد وُصِفَت بأنها ناقة الله كما أشار صالح لها في القرآن (هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً). هود-الآية 64.

وكانت ناقة مباركة ترعى في مراعي ثمود وتشرب مياه بئرهم وكان لبَنُها الذي تُدِرُّه يكفيهم جميعاً وكانت الناقة اختباراً لهم إذا كانوا سيؤمنون بالله أم سيبقون على كفرهم، لكنهم لم يكتفوا فقط بكفرهم واستمرارهم فيه برغم صدق حدوث المعجزة التي طلبوها بأنفسهم بل اشتعلت قلوبهم بالكراهية وأوغرت بالحقد على الناقة فعزموا قتلها حتى لا تزاحمهم في المياه، فخرج منهم تسعة يتزعمهم رجلاً يقال قدار بن سالف بن جندف ووصف بأنه (أحيمر ثمود) واتجهوا إلى الناقة فقتلوها مع ولدها وكان أحيمر ثمود هو من عقرها أي ذبحها.

وبذلك الفعل استعجلت ثمود العذاب، فتوعَّدَهم سيدنا صالح بوقوع عذاب الله عليهم بعد ثلاثة أيام، حينها أراد نفر منهم أن يقتلوا صالح ويُلحقوه بالناقة لكن الله أرسل عليهم حجارة سحقتهم ولما انتهت الأيام الثلاثة وقع عذاب الله على ثمود كما وُعِدوا وإذا الأرض تتزلزل من تحتهم زلزالاً شديداً ثم تأتيهم بصيحة من السماء شديدة نزلت عليهم فصرعتهم في بيوتهم وتركتهم بلا حراك وهكذا هلكت ثمود بينما نجَّى الله صالح ومن معه من القلة المؤمنة وقبر النبي صالح غير معروف تحديداً وهناك نفر من يشير إلى أنه دفن في قرية النبي صالح برام الله بفلسطين التي تضم مقاماً باسمه.

 

قصة سيدنا لوط

لوط عليه السلام هو لوط بن هاران بن تارح وينتهي نسبه إلى سام بن نوح وهو ابن شقيق النبي إبراهيم عليه السلام، ذُكرت قصته في القرآن وكذلك في العهد القديم، ولد في أور الكلدانية جنوب العراق وقيل في بابل ثم هاجر لاحقاً مع عمه إبراهيم إلى بلاد كنعان وبعد ذلك بعثه الله نبياً إلى سَدُوم وعَمُورة وبالرغم من أنه لم يُبعث إلى القوم الذين ولد فيهم فإن أهل سدوم وعمورة يشار لهم باسم قوم لوط.

وسدوم وعمورة هي قريتان أو عدة قرى مجتمعة تقع في غور الأردن أو جنوب البحر الميت قرب جبل يعرف أيضاً باسم جبل سدوم وقد ورد ذكرهما في العهد القديم ولم تذكرا بهذين الاسمين في القرآن بل باسم “المؤتفكة” والمؤتفكات هي الأمم المكذِّبة بالرسل، أما لوط فقد ورد اسمه في القرآن 27 مرة وذكرت قصته بشكل تفصيلي أو مختصر في سور: النمل، هود، العنكبوت، الأعراف، الحجر، الأنبياء، الشعراء، الصافات والقمر، تعد قصة لوط إحدى قصص الأنبياء من جيل النبوة الأول، حيث يرسل الله نبياً إلى مجتمع عاصي، داعياً إلى عبادة الله لكن هذا المجتمع يرفض دعوته ولا يهتم بتحذيراته، حينئذ يغادر النبي ويقع عذاب الله.

كان سكان سدوم وعمورة يمارسوا فاحشة لم يمارسها أحداً من قبلهم وهي شهوة إتيان الرجال من غير النساء لذلك أُطلق عليهما “مدن الخطايا” وبالإضافة إلى ذلك كانت السرقة وسوء الضيافة وإيذاء عابر السبيل من صفاتهم، فدعاهم هود إلى تقوى الله ونهاهم عن تلك الفاحشة التي يمارسوها فكان موقفهم هو صدهم عن دعوته والاستهزاء منها ثم وصلوا إلى تهديده بالطرد من قراهم وتحدُّوه أن ينزل بالعذاب الذي أخبرهم به.

يذكر القرآن أن مجموعة من الملائكة على هيئة بشر كانوا في زيارة إلى سيدنا إبراهيم عليه السلام كضيوف لتبشيره أن زوجته سارة كانت حاملاً في إسحاق وهناك أخبروه أنهم أُرسلوا أيضاً ليأتوا بالعذاب على قوم لوط المذنبين ولما جاء هؤلاء الملائكة إلى لوط في صورة رجال حِسَان رحَّب بهم وأدخلهم بيته لكنه خشي عليهم من قومه إذا علموا بوجودهم عندهم

وهو ما حدث فقد أخبرتهم امرأة لوط بذلك وكانت لا تؤمن بدعوته ولما سمع قوم لوط بالخبر ذهبوا إليه وهم يريدوا أن يدخلوا على ضيوفه، أراد لوط منع قومه من التعرض إلى ضيوفه فعرض عليهم الزواج من بناته، كونه أطهر لهم من الفاحشة التي يريدوها.

فرفضوا وصمموا على رأيهم وهنا كشفت الملائكة لسيدنا لوط عن حقيقتهم وأخبروه ألَّا يخشى عليهم شيئاً وأنهم مرسلون من الله لهلاك قومه وطلبوا منه أن يخرج مع أهله من القرية ليلاً وألَّا ينظروا خلفهم وفي الصباح وقع العذاب على قوم لوط فخسف الله بهم الأرض وجعل عاليها سافلها وأمطرهم بحجارة من سجِّيل منضود وهو الطين المتحجر ونجَّى لوط وأهله فيما عدا زوجة سيدنا لوط فقد كانت من الكافرين.

 

قصة سيدنا إسماعيل

إسماعيل عليه السلام ولقبه الذبيح وأبو العرب ويعني اسمه (من سمع الله) وهو الابن الأول لإبراهيم من هاجر، ولد بفلسطين وتوفي في مكة المكرمة، وقد ولِد قبل أخيه إسحاق بأربعة عشر سنة ويرتبط اسمه ببناء الكعبة ورؤيا الذبح وهو مثال على طاعة الله والوالدين والصبر على المِحَن تنفيذاً لقضاء الله وقد ذُكر إسماعيل 12 مرة في القرآن الكريم.

كانت أول محنة يقابلها سيدنا إسماعيل عندما كان رضيعاً، فقد تركه أبوه إبراهيم مع هاجر في مكة ولم يكن بها في ذلك الوقت أحد ولا ماء ولا زرع وترك مع أمه بعض التمر وقربة ماء فتبعته هاجر تسأله: كيف يتركهما في هذا المكان وكرَّرت ذلك مراراً وإبراهيم لا يلتفت إليها.

حتى سألَته: هل هذا أمر من الله؟ فأجاب: نعم فقالت: إذن لن يُضيَّعنا الله ولما ابتعد إبراهيم عنهما دعا ربه كما جاء في قوله تعالى: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ). إبراهيم-الآية 37.

وظلَّت السيدة هاجر ترتوي من هذا الماء الذي معها وترضع إسماعيل حتى نفذ منها وبدأ إسماعيل بالبكاء وكان يتلوَّى من العطش فأخذت تبحث عن الماء حولها فاتجهت إلى جبل الصفا فصعدته ونظرت إلى الوادي عسى أن ترى أحداً فلم ترى شيئاً فهبطت منه واتجهت إلى جبل المروة وصعدته وألقت بنظرها على الوادي فلم ترى أحداً فأخذت تهرول ما بين الجبلين وفعلت ذلك سبع أشواط (فكان فعلها إحدى شعائر الحج التي يمارسها المسلمين إلى اليوم).

وفي الشوط الأخير سمعت صوتاً فقالت: أغث إن كان عندك خير، فإذا هو سيدنا جبريل عليه السلام قد ضرب الأرض بجناحه فتفجَّرت منه عين زمزم فملأت قربتها وارتوت وأرضعت طفلها وسكنت إلى جوار هذه العين التي أخذت في جذب الطيور والحيوانات وكان أن شاهدت قبيلة يُقال لها جُرهُم طيوراً تحوم في المكان فعرفت أن به ماء فاستقصوا فوجدوا أم إسماعيل بجوار العين فاستأذنوا أن يسكنوا بجوارها فأذنت لهم.

تربَّى سيدنا إسماعيل مع قبيلة جرهم وتعلَّم منهم اللغة العربية والفروسية ولما كبر تزوَّج إحدى بناتهم وحدث ذات يوم أن زار إبراهيم ابنه إسماعيل ولم يكن موجوداً وقتها في بيته فسأل سيدنا إبراهيم زوجته عن أحوالهم فصارت تشكو له ضيق العيش فأخبرها إبراهيم أن تُقرِئ إسماعيل السلام وتقول له أن يغيِّر عتبة بابه، ولما حضر إسماعيل سألها إذا كان زارهم أحد فقالت شيخ كبير يقرئك السلام ويقول لك غيِّر عتبة بابك، فعلم إسماعيل أنه كان والده وكان يقصد بقوله أن يطلِّق زوجته ففعل.

ثم تزوَّج إسماعيل ثانية وجاء إبراهيم ليزور ابنه فلم يجده فسأل زوجته الجديدة عن أحوالهم فقالت بخير والحمد لله فسألها عن طعامهم وشرابهم فأجابت اللحم والماء فدعا إبراهيم أن يبارك الله فيهما وأوصاها إن حضر إسماعيل أن تُقرأه السلام ومُرِيه أن يثبِّت عتبة بابه ولما حضر إسماعيل أخبرته بما كان فعلم أنه والده يأمره بأن يُبقي على زوجته الجديدة والتي أنجبت له اثني عشر من الذكور والإناث.

ثم حضر إبراهيم ذات مرة فوجد إسماعيل الذي أحسن استقبال والده والذي أخبره أن الله أمره أن يقيم بيتاً لعبادته وطلب من إسماعيل أن يعينه في ذلك فأجابه وكان إسماعيل يحمل الحجارة وإبراهيم يُشيِّد بيت الله ألا وهو الكعبة المشرَّفة، يقول تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)). سورة البقرة.

ولما وصل بناء الكعبة المشرفة إلى مسافة معينة وضع إبراهيم الحجر الأسود الذي جاء به سيدنا جبريل عليه السلام حتى اكتمل بناء الكعبة ثم نادى إبراهيم الناس داعياً لهم بحج البيت فسمعه كل من على الأرض.

كانت المحنة الثانية التي قابلها إسماعيل هو اختبار رؤيا الذبح التي رآها والده، فقد رأى إبراهيم في المنام أنه يذبح ابنه ورؤيا الأنبياء وحي وإنما بذلك يؤمر بذبح ابنه فلما أخبر إسماعيل بذلك أجابه: (يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين)، حاول إبليس أن يثني إبراهيم عن ذبح ابنه ومخالفة أمر الله فرماه إبراهيم بسبع حصوات عند موضع الجمرة الصغرى فذهب عنه ثم خرج له مجدداً عند موضع الجمرة الوسطى فرماه إبراهيم بسبع حصوات فذهب عنه ثم ظهر له مرة ثالثة عند موضع الجمرة الكبرى (جمرة العقبة) فرماه بسبع حصوات فذهب إبليس ولم يظهر له مرة أخرى.

ومن ثمَّ أصبح رمي الجمرات من مناسك الحج ولما همَّ إبراهيم بذبح ابنه لم تعمل السكين عملها ونودي إبراهيم من أعلى كما جاء في قوله تعالى: (وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ). وافتُديَ إسماعيل بكبش من الجنة ليذبحه إبراهيم كأضحية يتقرَّب بها إلى الله وأصبح ذلك الحدث عيداً للمسلمين من كل عام حيث يذبحوا الأضاحي في أول يوم من عيد الأضحى المبارك.

وقد توفي سيدنا إسماعيل عن عمر 137 عاماً وقيل أنه دفن بجوار أمه عند الحجر الذي يُعرف بحجر إسماعيل وهذا الحجر كان في الأصل جزءاً من الكعبة وحدث أن تصدَّعت الكعبة بفعل سيل زمن قريش قبل مولد النبي محمد فنقضتها قريش على أن تعيد بنائها من جديد شريطة أن تكون أموال النفقة التي ستبني بها الكعبة مالاً حلالاً خالصاً لكن مال النفقة الذي جمعه بنو قريش لم يكفي لإتمام بناء الكعبة على قواعد إبراهيم وإسماعيل فأخرجوا منها هذا الحجر وأقاموا عليه جداراً صغيراً كي يُعرف أنه كان جزءاً من الكعبة فظل على هذه الحال لكن ليس من المؤكد في قصص الأنبياء التي وردت أن إسماعيل والسيدة هاجر قد دفنا ناحيته.

 

قصة سيدنا إسحاق

إسحاق عليه السلام أو إسحق أو إيزاك أو غسحاق وأصل اسمه العبري “يصحاق” أي الضاحك وحرَّف العرب الاسم فصار إسحاق ويُكتب إسحق في الرسم القرآني من غير الألف والسبب في تسميته الضاحك أن أمه سارة ضحكت عندما بُشِّرت به وهو ابن إبراهيم وأخو إسماعيل من جهة الأب وكما يُعرف إسماعيل بأنه جد العرب المستعربة، يُعرف إسحاق بأنه جد بني إسرائيل وأبو اليهود لذلك يُشار إلى العرب واليهود بأنهم أبناء عمومة.

عندما أتت الملائكة إلى إبراهيم لتخبره بالعذاب الذي سيقع على قوم لوط وكانت سارة قائمة فضحكت، بشَّروها بأنها ستلد إسحاق والذي سيُنجب حفيدها يعقوب، يقول تعالى: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ). هود-الآية 71. وكلاهما أتاهما الله النبوة، وتعجبت سارة من أن تنجب في شيخوختها وكانت لا تنجب من قبل وزوجها شيخاً طاعناً في السن.

وكانت هذه هدية الله لإبراهيم بأن جعل النبوة في نسله وتعويضاً عما لاقاه وتكريماً لسارة على صبرها وهي البُشرى الثانية لإبراهيم بإنجاب مولود، فقد بشَّر الله إبراهيم بغلام حليم كما ذُكر في سورة الصافات وبغلام عليم كما ذُكر في سورتي الذاريات والحجر وبحسب المفسرين فإن الغلام الحليم وهو إسماعيل والغلام العليم هو إسحاق كما وقد ذُكر إسحاق سبع عشرة مرة في القرآن، غالباً مع والده وابنه يعقوب.

ويتفق العلماء على أن إسحاق ولد بعد إسماعيل بأربع عشرة أو ثلاث عشرة سنة، بينما كانت سارة تبلغ من العمر تسعين سنة وإبراهيم بلغ المائة أو مائة وعشرين ولما أكمل إسحاق ثمانية أيام اختتنه والده وقد استكمل إسماعيل وإسحاق رسالة والدهما إبراهيم من بعد وفاته فكان إسماعيل في شبه الجزيرة العربية وإسحاق في بلاد كنعان.

ولما توفيت سارة وبلغ إسحاق أربعين سنة، أرسل إبراهيم من يبحث عن زوجة لابنه عند أقربائه في البلاد التي هاجر منها من قبل وهي أرض حوران وتزوج إسحاق من عندهم من رفقة (ريبيكا) بنت بتواييل وبحسب الرواية اليهودية كانت عاقراً، فدعا لها إسحاق فحملت في توأم وولدت له يعقوب وعيسو والأخير تسميه العرب عيصو أو العيص وهو أبو الروم لكن العيص غير مذكور في قصص الأنبياء الإسلامية والتي تذكر أن يعقوب ولد في حياة إبراهيم وسارة وذكر البعض أيضاً أن إسحاق كان له بنتاً اسمها فائقة وقد رُزق إسحاق بيعقوب والعيص وهو في الستين من عمره.

ولما توفي إبراهيم انتقل إسحاق إلى بئر لحي ثم أرض جرار من بلاد كنعان سعياً وراء الماء ولما وصل جرار أبرم مع ملكها أبيمالك اتفاقاً وأعاد حفر الآبار التي أقامها والده من قبل. وقد توفي عن عمر 180 سنة في حبرون (الخليل) بفلسطين ودفن مع زوجته رفقة في مغارة المكفيلة التي يقع عليها الحرم الإبراهيمي.

 

قصة سيدنا يعقوب

يعقوب عليه السلام (جيكوب بالإنجليزية) ولقبه إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل وأصل اسمه ياكوف وبالعبرية يعني ماسك كعب القدم لأنه لما ولد كان متعلقاً بقدم أخيه التوأم، كان يعقوب نبي بن نبي وأبو نبي وجدُّه نبي وعمُّه نبي وجاء ذكره في القرآن 16 مرة وذُكر بلقبه إسرائيل مرتين.

لمَّا بلغ إسحاق سن الأربعين وكانت زوجته رفقة بنت بتواييل أو بتوئيل عاقراً، دعا الله فرزقه بغلامين توأمين هما عيسو (العيص) ويعقوب ولا يذكر لنا القرآن أو السنة النبوية شيئاً عن العيص بينما ذكر يعقوب فقط عند تبشير إبراهيم بإسحاق وتحفل الرواية التوراتية ليعقوب بأحداث عدة تتعارض مع العقيدة الإسلامية التي تعتبر الأنبياء والرسل منزَّهين عن العيوب والنقائص ولا يجوز نسب أفعال شنيعة وأباطيل لهم من شأنها التقليل منهم مما يدخل ضمن نطاق الإسرائيليات الكاذبة والمرفوضة.

تذكر الرواية التوراتية بحسب العهد القديم والتي يجب الحذر عند النقل منها، أن يعقوب اشترى البكورية من أخيه مقابل طبق من العدس وأنه خدع والده ليسرق النبوة من أخيه ومصارعته للرب في صورة ملاك ومن ذلك جاء اسمه إسرائيل الذي يعني “مصارع الرب” إضافة إلى تحريمه أكل عرق النسا على نفسه وغيرها من الأباطيل والأكاذيب.

يُحكى أن يعقوب هاجر لخاله لابان في حاران بإيعاز من أمه رفقة حتى يهدأ غضب أخيه الذي توعده بعدما خدعه (حسب العهد القديم) وهناك أعجب بإحدى بناته وتدعى راحيل (راشيل) فطلبها للزواج، وافق لابان مقابل أن يستأجره لسبع سنوات وقيل عشرة ولما انقضت السنوات السبع، زوجه أختها الكبرى ليئة (ليا) بدلاً منها وكانت أقل جمالاً.

ولم يكتشف يعقوب الأمر إلا في صباح اليوم التالي حيث كانت تضع ليئة خماراً على وجهها عندما زُفَّت له فاحتج لعمه الذي أخبره أنه لا يمكن أن تتزوج الابنة الصغيرة قبل الكبيرة وعرض عليه أن يعمل عنده سبع سنين أخرى ليتزوج من راحيل فوافق ويعتبر بعض المفسرين أن هذا كان مشروعاً وقتها في شريعة التوراة فيما يتعلق بالجمع بين الأختين، بينما يعتقد البعض أنه تزوج من راحيل بعد وفاة ليئة.

خلال ذلك أنجبت ليئة ليعقوب ست أولاد ذكور هم روبين، شمعون، لاوي، يهودا، زبولون وياساكر وبنتاً واحدة اسمها دينا وأنجبت جاريتها زيلفا التي أعطته إياها زوجة له ولدين هما جاد وآشير أما راحيل فكانت لا تنجب في بادئ الأمر وأنجبت جاريتها بيلها التي أعطتها زوجة له ولدين أيضاً هما دان ونفتالي.

وبالنهاية رزق الله راحيل بولدين هما يوسف وبنيامين وأولاد يعقوب الاثنا عشر شكَّلوا قبائل بني إسرائيل التي تعرف باسم الأسباط ولم يبق منهم سوى قبيلتين بعد سيطرة الآشوريين على مملكة إسرائيل أما باقي القبائل اعتبرت مفقودة وهي التي يشار إليها باسم “الأسباط العشرة المفقودة”.

عاد يعقوب إلى كنعان وتصالح مع أخيه وقدَّم له هدايا كثيرة من الماشية التي أخذها من خاله لابان مقابل عمله وكانت راحيل قد توفيت بعدما ولدت له أصغر أبنائه وهو بنيامين فحزن عليها ودفنها في بيت لحم وتوفي بعدها والده إسحاق فدفنه في مغارة المكفيلة (الحرم الإبراهيمي).

كان يوسف أحب أبناء يعقوب إليه وكان يخشى عليه من إخوته ولما أخبره يوسف برؤياه عن سجود أحد عشر كوكباً والشمس والقمر له التي وردت في القرآن، حذره من أن يخبر إخوته برؤياه فيكيدوا له ومع ذلك مكروا له فطلبوا من والدهم أن يخرج يوسف معهم للرعي واللعب وتعهدوا بمراعاته، لكنهم أخذوه فألقوه في البئر وعاد أبناء يعقوب بقميص يوسف وعليه دماً كذب متهمين الذئب بأكله.

حزن يعقوب حزناً شديداً على ابنه يوسف لدرجة أنه فقد بصره ولاحقاً لما حل القحط بأرض كنعان، ذهب أبنائه إلى مصر وكان يوسف قد أصبح نائباً لملكها فأعطاهم قميصه ليلقوه على وجه أبيه، فارتد بصره ثم رحل يعقوب وبني إسرائيل إلى مصر حيث التقى يوسف بعد أربعين سنة من انقطاعه عنه، عاش بعدها سبعة عشر سنة أخرى ولما شعر بدنو أجله، جمع أولاده وأوصاهم باتباع دينه ودين آبائه وبعد وفاته دفنه يوسف كما أوصى في مغارة المكفيلة وقيل إنه عاش147 سنة.

 

قصة سيدنا أيوب

أيوب عليه السلام أو (يوباب) أحد أنبياء بني إسرائيل وهو أيوب بن موص بن زارح بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم وأصل اسمه من أوَّاب وهو صيغة مبالغة من آب ومعناه التائب، النادم، المُسبِّح كثير الذكر والتسبيح، كثير الرجوع إلى الله والذي يُذنب ثم يتوب إلى الله، ارتبط النبي أيوب بالصبر واشتهر به حتى أن العرب تكني الجمل (أبو أيوب) لقوة تحمله، وقد ذُكر أيوب أربع مرات في القرآن ويرى المفسِّرون أن بعثه جاء بعد يوسف مرسلاً إلى قومه بدلاً من إرساله إلى مجتمع معين.

وقيل أن بعثه كان في إدوم بأرض حوران شرق نهر الأرض وبعض المفسرين يدَّعي أنه ابن إحدى بنات لوط أما زوجته فيختلفوا حول اسمها، حُكي أنها رحمة بنت يوسف بن يعقوب أو رحمة بنت أفرائيم وقيل ليا بنت يعقوب وقيل منشا بنت يوسف بن يعقوب وكان أيوب رجلاً غنياً، فاحش الثراء، له من المال والولد والأهل والأراضي الواسعة والماشية والعبيد الكثير وينعم بالصحة والقوة فابتلاه الله في كل ذلك، ففقد أهله وماله ولم يبق له أحد باستثناء زوجته كما ابتلاه في صحته فأصابت الأمراض بدنه وذكر بن عساكر أنه لم يبق منه عضو سليم سوى قلبه ولسانه اللَّذين يتعبد بهما ومع ذلك صبر على كل هذا البلاء محتسباً أجره عند الله وكان يذكر الله نهاراً وليلاً.

وقد طال مرضه فنفر منه الجميع خشية العدوى ما عدا زوجته التي كانت تقوم على خدمته حتى تنتهي هذه المحنة وحكى البعض أن جسده أصبح هزيلاً، حتى ذهب لحمه ولم يبق منه سوى عظامه وعصبه، فألقاه الناس خارج بلدتهم وقيل أن فترة مرضه استمرت 18 سنة كانت زوجته خلالها تُعِينه على حاجته حتى أنها اضطرَّت للعمل كخادمة لكن لما علم الناس أنها امرأة أيوب خافوا أن يستخدموها مخافة أن تعديهم.

فاضطرت أن تقُص ضفائرها وتبيعهم حتى تحضر بثمنهم طعاماً لأيوب الذي أبى أن يأكل منه حتى تخبره من أين لها بثمنه فكشفت له عن رأسها، عندها قال: (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ). الأنبياء-الآية 83. وأقسم أنه سيضربها مائة جلدة عندما يرُد الله عليه صحته بمشيئته تعالى، جزاء فعلها.

بعدها خرج وهو يتكئ على يدها لقضاء حاجته ولما ذهب أوحى له الله أن يضرب الأرض برجله فانفجر من تحته ينبوعان من الماء وكما جاء في قوله تعالى: (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ). ص-الآية48. فشرب من أحدهما بينما اغتسل من الآخر فذهب مرضه بفضل الله وعاد سليماً صحيحاً وأحسن ممَّا كان عليه من قبل ولما رأته زوجته ظنَّته رجلاً يشبه زوجها.

رفع الله البلاء عن أيوب لصبره وجَلَدِه وردَّ عليه ماله وأهله ورزقه رزقاً واسعاً كما جعله يبرُّ بيمينه ولا يحنثه وذلك بأن أمره أن يأخذ (صغثاً) حزمة من مائة ساق من نبات هش مثل الريحان ويضرب بها زوجته ليبرَّ يمينه وكان ذلك رحمة لها لوقوفها إلى جانب زوجها في محنته.

وقال بعض المفسرين أن الله رد عليها شبابها وأنجبت لأيوب 26 ولداً لكن أسمائهم غير معروفة وهناك من يذكر أن النبي ذو الكفل كان أحد أبناء النبي أيوب وحُكي أن أيوب توفى عن عمر 93 سنة وقيل أكثر وينسب إليه ضريح بمدينة صلالة بسلطنة عمان وضريح في مدينة الحلَّة في العراق وغيرها ويذكر بن عساكر أن الله يحتج يوم القيامة بأيوب عليه السلام على أهل البلاء.

 

قصة سيدنا شعيب

شعيب عليه السلام ولقبه خطيب الأنبياء هو أحد الأنبياء العرب واسم شعيب اسم علم عربي وهو تصغير شَعْب أو أشعب والشعب هو الجماعة أو الأمة أو الصدع وأيضاً هو القبيلة الكبيرة والبطن التي تخرج منه القبيلة والبُعد والبعيد وقيل أيضاً موصل قِطع الرأس والجيل من الناس الذي التم شملهم بعد فرقة والأشعب هو ما كان بين منكبيه أو قرنيه مسافة كبيرة.

وفي التوراة يُذكر بأن اسمه رعوئيل وبالسريانية يثرون وهو اسم جيثرو الحالي بالإنجليزية، إلا أن شخصية يثرون في العهد القديم تشير إلى كاهن مديان وهو لا يعتبر نبياً بحسب اليهود ولذلك يختلف العلماء حول كونهما نفس الشخص فيما يرى البعض أنه النبي إشعياء الوارد في العهد القديم.

وقد ورد اسم شعيب 11 مرة في القرآن منها أربع مرات في سورة الأعراف وأربع مرات في سورة هود وذكر القرآن كذلك القوم الذين بعث فيهم وهم أهل مدين أو أصحاب الأيكة أما وصف شعيب بأنه خطيب الأنبياء فذلك لفصاحته وعن بن عباس أنه قال: كان رسول الله إذا ذكره قال: “ذاك خطيب الأنبياء لمراجعته قومه”.

ويختلف المفسرون حول تسلسل نسب شعيب فقيل إنه ابن إحدى بنات لوط أو حفيدها وقيل آمن بنبوة إبراهيم وهاجر معه بعدما نجى من النار فزوَّجه من إحدى بنات لوط والثابت أنه من نسل إبراهيم عليه السلام ومن ضمن ما جاء في نسبه:
– شعيب بن ميكيل بن يشجن.
– شعيب بن يشخر بن لاوى بن يعقوب.
– شعيب بن نويب بن عيفا بن مدين بن إبراهيم.
– شعيب بن ضيفور بن عيفا بن ثابت بن مدين بن إبراهيم.

وقد بعث الله شعيب إلى قوم مَديَن (المدينيون) ويعرفوا أيضاً باسم أصحاب الأيكة وقوم مدين قبيلة عربية من البدو الرُّحَّل وكانت أراضيهم تقع ضمن صحراء النقب وسيناء وشمال الحجاز وتحديداً بالقرب من مدينة البِدع في تبوك وكانوا جيراناً للكنعانيين، يعملون بالزراعة والتجارة والرعي وقد ذُكرت مدين وأهلها 10 مرات في القرآن وبوصفهم أصحاب الأيكة 4 مرات.

والأيكة شجرة كثيفة ملتفَّة اتخذوها للعبادة بالرغم من أنهم جاءوا من بعد قوم لوط وكانوا يعبدون الله في البداية لكنهم انحرفوا عن طريق الهدى ومن ضمن صفاتهم المبغضة أيضاً التي ذكرها القرآن أنهم كانوا يغشون في المكيال والوزن ضمن عملهم بالتجارة كما كانوا يقطعون الطريق على عابري السبيل.

ولما بُعث فيهم سيدنا شعيب عليه السلام نهاهم عما يعبدون ودعاهم إلى عبادة الله كما أمرهم بالعدل في الميزان والتوقف عن الفساد في الأرض، فما كان من قوم مدين إلا أنهم رفضوا دعوته وواجهوه بالاستهزاء والتكبُّر وتمادوا في طغيانهم فهددوه بالرجم لولا أنهم يخشون عشيرته فاستنكر شعيب ذلك منهم بأنهم يخشوا عشيرته ولا يخافوا الله وكانوا يعتبرون شعيب ضعيفاً لأن من اتبعه من فقرائهم وبالنهاية طلبوا منه أن يأتي بعذاب الله إن كان صادقاً.

ونتيجة كفرهم وعنادهم، أمسك الله عنهم هبوب الهواء لسبعة أيام فأصابهم حر شديد فكان لا ينفعهم ماء ولا ظل فهربوا إلى البرِّيَّة فأرسل الله سحابة وجدوا منها ظلاً فتجمعوا تحتها جميعاً وهنا أمر الله فأخذت السحابة ترميهم بشرر وزلزلت الأرض من تحتهم ثم وقعت عليهم صيحة جبارة من السماء، صعقتهم فهلكوا بها.

ولا يُذكر كم المدة التي عاشها شعيب من بعد هلاك قومه، إنما يُعتقد أن شعيب عاش ما يقارب 242 سنة، أما مكان دفنه فقيل بالأردن بوادي شعيب جنوب مدينة السلط وله مقام في حطين بفلسطين يعتقد الدروز أنه مدفون فيه وله أيضاً ضريح في مقاطعة تستر بإيران وقيل دفن بمكة مع من آمن معه غرب الكعبة.

ويُعتقد أن سيدنا موسى لما هرب من مصر بعدما قتل رجلاً من ملأ فرعون نزل بأرض مدين وهناك تزوج من إحدى بنات شعيب لكن هذه الرواية مشكوك فيها للتباعد الزمنى بين بعث موسى وشعيب وقيل إن الرجل الذي تزوج موسى إحدى بناته هو يثرون بن أخي شعيب وهو المذكور أيضاً في الرواية التوراتية لذلك يشبِّهُه البعض بأنه شعيب.

 

قصة سيدنا هارون

هارون عليه السلام (آرون) واسمه بالعبرية (أهارون) بمعني الجبل فيما يُعتقد أن الاسم مشتق من الاسم المصري القديم أها –رو والذي يعني “الأسد المحارب”، هو أحد أنبياء بني إسرائيل والأخ الأكبر للنبي موسى بن عمران بن عازر ويوكابد بنت لاوي وذُكر في نسبه أنه هارون بن عمران بن عازر بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل.

عُرف عنه فصاحة لسانه ولذلك اتخذه موسى وزيراً ومساعداً له وكان محبوباً بين قومه ويتَّصف بالحِلم والصبر وقد ورد ذكره في القرآن 20 مرة ووصفه بأنه نبي ووزير وقابله النبي في السماء الخامسة خلال رحلة الإسراء والمعراج فأحسن استقباله.

وُلِد هارون في أرض جاسان بمصر قبل موسى بثلاث سنوات في العام الذي لا يقتل فيه فرعون أبناء بني إسرائيل الذكور ويعتقد أن مولده كان سنة 1439 ق.م. ووفاته سنة 1317 ق.م. قبل وفاة موسى ببضع سنوات وقد شب في بيت أهله بينما شب أخيه موسى في بيت فرعون وقد صحب موسى عندما ذهب إلى فرعون لما جاء يعرض عليه عبادة الله.

وكان ذلك بعد أن طلب موسى من الله أن يشدد أزره بأخيه الأكثر فصاحة، لكن فرعون رفض دعوة موسى حتى بعد رؤيته معجزات الله واتهم موسى وهارون بالسحر ثم أمهلهما حتى يوم الزينة والذي غلب فيه موسى سحرة فرعون ثم كان بعد ذلك أن خرج موسى بقومه من مصر وما تلى ذلك من معجزة عبور البحر وهلاك فرعون.

ولما أراد موسى الصعود إلى جبل الطور لتلقي التوراة خلف أخيه هارون في بني إسرائيل وحينها وقعت حادثة العجل الشهيرة التي غوى فيها السامري بني إسرائيل بعبادة عجل من ذهب صنعه لهم وقد حاول هارون صدَّهم عن ذلك الأمر لكنه لم يقدر عليهم وعندما عاد موسى من جبل الطور، عنَّفه لسماحه بعبادة العجل، الأمر الذي نفاه هارون وطلب منه ألا يلومه لأنه لم يكن له دور في صنعه وأنه حاول منعهم ووعظهم لكنهم لم يستمعوا، فاستغفر موسى له ولأخيه ودعا ربه قائلاً إنه لا يملك سوى سلطانه على نفسه وعلى أخيه.

جاء في القرآن أيضاً أن الناس نادوا مريم والدة عيسى عليه السلام باسم “أخت هارون” بقوله تعالى: (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا). سورة مريم-الآية 28. وذلك لما أحضرت لهم طفلها عيسى المسيح، ناقش المفسرون من هو “هارون” تحديداً من حيث شخصيته التاريخية في تلك الآية، حيث قال البعض إنها كانت إشارة إلى النبي هارون وأن كلمة “أخت” تشير فقط إلى رابط مجازي أو روحي بين الشخصيتين، يتضح ذلك أكثر بعلم أن مريم العذراء كانت من نسل هارون وربما ارتبط اسمها روحياً مع شقيقة هارون التي تحمل نفس الاسم.

وقد تزوج هارون من امرأة تسمى أليشابع أنجبت له أربعة أبناء هم: إيثامار، أليعازر، ناداب وأبيهو وتوفي قبل موسى عن عمر 123 سنة بعد أربعين سنة من خروج بني إسرائيل من مصر وهي سنوات التيه التي عاش فيها بني إسرائيل في الصحاري حول بلاد كنعان حتى رحلوا إليها.

ويقال أنه توفي على جبل هارون بالقرب من البتراء في الأردن حيث يوجد مقام يحمل اسمه هناك على ارتفاع 1350 م فوق مستوى سطح البحر فوق أعلى قمة في المنطقة وقد جاءت وفاته قبل عبور بني إسرائيل لنهر الأردن الشمالي وتولى من بعده ابنه أليعازر رئاسة كهنة بني إسرائيل.

 

قصة سيدنا داود

داود عليه السلام (ديفيد) ويعني بالعبرية “المحبوب” ويكتب أحياناً (داوود) جمع الله له بين المُلك والنبوة فكان أحد أنبياء وملوك بني إسرائيل واليهود يؤمنون بكونه ملكاً وليس بكونه نبياً وتحتوي قصته في العهد القديم على بعض الإسرائيليات الكاذبة والمرفوضة التي لا تناسب مقام الأنبياء ومكانتهم وحُسن أخلاقهم وإلا ما كانوا أنبياء ولا يليق نشر مثل هذه الأباطيل ضمن قصص الأنبياء إلا للتحذير منها أو عندما لا تتعارض مع منهج الإسلام الذي يكرم الأنبياء ويبجلهم.

كان داود أصغر أبناء إيشا (يسي) بن عوبيد الثلاثة عشر من الذكور وأمه هي نيتزيفت وفي نسبه قال المفسرون أنه يعود ليهودا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام وهو ثاني ملوك مملكة إسرائيل بعد طالوت ويعتقد أنه عاش سنة 1000 قبل الميلاد وحكم مملكة إسرائيل في الفترة من 970 إلى 1010 ق.م. وقيل إن عدد زوجاته بلغ ثمانية وكان له الكثير من الأولاد منهم سليمان عليه السلام الذي ورث منه المُلك بعد وفاته وقد ذُكر داوود في القرآن 16 مرة.

يُعرف عن داود تقواه وتفانيه في العبادة من صلاة وصيام حتى قال عنه النبي : “أحب الصلاة إلى الله صلاة داود وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ويصوم يوماً ويفطر يوماً” (رواه عبد الله بن عمرو- صحيح النسائي). وكان كثير التسبيح وقد حباه الله صوتاً جميلاً وسخَّر له الطير والجبال تُسبِّح معه كلما سمعوه وأكرمه بالعديد من المعجزات منها أنه ألان له الحديد فكان يصنع منه الدروع بغير نار وكان يأكل من عمل يده حتى بعدما أعطاه الله المُلك فقد رُوِي عن أبي هريرة عن النبي أنه قال: “كان داوود لا يأكل إلا من عمل يده” (رواه البخاري).

جاء بعث داود من بعد وفاة موسى وهارون في فترة تسللت فيها عبادة الأصنام إلى بني إسرائيل وهاجمتهم الشعوب والممالك المجاورة كما بطش بهم حكامهم وكانوا كلما خرجوا للقتال أخذوا معهم تابوتاً فيه ألواح موسى وعصاه وهذا التابوت له العديد من الأسماء منها تابوت العهد وتابوت السكينة وتابوت الرب. وفي إحدى المعارك هزمهم أعدائهم الفلستيون وقتلوا حاكمهم وأخذوا منهم التابوت وظل عندهم حتى أعاده الملك طالوت لاحقاً عندما تولى سُدة الحكم بعد مقتل حاكم بني إسرائيل،

حيث طلبوا من نبيهم صموئيل (أو شمويل) أن يجعل عليهم ملكاً فاختار لهم طالوت (أول ملوك بني إسرائيل ويسمى شاول في العهد القديم) وهو من سبط بنيامين، لكن بنو إسرائيل قللوا بشأنه لأنه ليس من علية القوم أو من بيت الملك ولا مال له فأجابهم صموئيل أن هذا اختيار الله وأنه اصطفاه عليهم ووهبه العلم وقوة الجسد.

استطاع طالوت بفضل الله أن يسترد التابوت وجمع جيشه بعناية للخروج لقتال أعداء بني إسرائيل من الفلستيين وفي الطريق أخبرهم أن هناك نهراً حذرهم من أن يشربوا منه إلا فقط من اغترف منه غرفة بيده أما من يشرب منه فليس من جيشه وكان ذلك اختباراً لهم، فشرب أغلبهم ولم يبق مع طالوت سوى فئة قليلة قيل بضعة وثلاثمائة رجلاً من ثمانين ألفاً انضموا له منذ البداية ولما اصطفوا أمام أعدائهم وجدوا أنهم يفوقوهم عدداً وخشيت الناس منهم إلا أن الفئة المؤمنة مع طالوت قالوا لهم  كما جاء في القرآن بقوله تعالى: (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ). البقرة-الآية 250.

لما تواجه الجيشان، خرج من بين الفلستيين محارباً ضخم الجثة يغطي جسده بالدروع يدعى جالوت ودعا جيش بني إسرائيل لإخراج رجلاً منهم إلى مبارزته، فخاف منه مقاتلو بني إسرائيل ولم يجرؤ أحد على الخروج لملاقاته فقال لهم طالوت إن من يقتل جالوت سيزوجه إحدى بناته ويجعله شريكاً له في الحكم وكان داود حينها شاباً يافعاً وقيل كان يحضر الطعام لإخوته المحاربين في جيش طالوت.

فلما رأى خروج جالوت ودعوته للمبارزة، أخذ ثلاثة أحجار ووضعها في مقلاعه ثم تقدم نحو جالوت الذي سخر من صغر سنه وحجمه إلا أن داود عاجله برمي الحجارة من المقلاع فأصابت جميعها جبهته فقتلته في الحال وانتصر جيش طالوت وارتد الفلستيون على أعقابهم، قال تعالى: (فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ). البقرة-الآية 251.

وقد وفى طالوت بوعده فزوَّجه إحدى بناته وتدعى “ميكال” ثم آلَ المُلك إلى داود من بعد وفاة طالوت فأصبح ثاني ملوك بني إسرائيل وكان عمره حينها ثلاثين عاماً وتوالت انتصاراته على الفلستيين ووسع مُلكه وعمل بشريعة التوراة بين بني إسرائيل وأنزل الله عليه الزبور والذي يسميه اليهود (مزامير داود) أو (سفر المزامير) ويعتقدوا أنه أشعار كتبها داود والعياذ بالله ويرى المفسرون أن المقصود بمزمار داود هو صوته الحسن وقد توفي داود عن عمر مائة عام ويعتقد أنه دُفن في القدس فوق ربوة لجبل صهيون حيث يوجد مقام باسمه هناك.

 

قصة سيدنا يونس

يونس عليه السلام أو يونس بن متى ولقبه ذو النون وصاحب الحوت وذو النون تعني أيضاً صاحب الحوت واسمه لدى المسيحيين واليهود هو يونان بن أمتاي ومتى أو أمتاي هو اسم أمه ويونس وعيسى هما الوحيدان من الأنبياء اللذين يُنسبان إلى الأم فيما يرى بعض المفسرين أن متى هو اسم أبيه وقد ذُكر يونس باسمه في القرآن أربع مرات في سورة النساء والأنعام ويونس والصافات وذكر بلقب ذي النون مرة واحدة في سورة الأنبياء وبلقب صاحب الحوت مرة واحدة في سورة القلم وتذكر سورة الصافات (الآيات 139-148) قصته بإيجاز وله سورة في القرآن باسمه هي السورة المكية رقم 10 في ترتيب المصحف.

وذكره النبي محمد فقال: “لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى”. (رواه عبد الله بن عباس – صحيح البخاري). كذلك ذكره النبي لغلام يدعى عداس أحضر له قطفاً من عنب بعدما آذاه أهل الطائف وذلك عندما سأله عن بلده فذكر له أنه من نينوى فقال النبي: “من قرية الرجل الصالح يونس ابن متى”.

ويختلف المؤرخون حول السبط الذي ينتسب له سيدنا يونس عليه السلام فمنهم من يقول من سبط بنيامين أو من سبط لاوي أو من سبط زبولون ويعتقد أنه ولد في القرن الثامن قبل الميلاد تقريباً وقيل ببلدة كفرا بلبنان حيث يوجد ضريح له هناك، إلا أن الله بعثه لأهل نينوى بالعراق وكان عددهم حينها مائة ألف أو يزيدون كما جاء بالقرآن وكانت الوثنية قد انتشرت بين أهل نينوى وكان لهم صنماً لامرأة تدعى عشتار وهي آلهة مبجَّلة عند حضارات بلاد الرافدين.

فدعاهم يونس إلى عبادة الله وحذرهم من مغبَّة الاستمرار في عبادة الأوثان دون الله وقد دعاهم طويلاً، قيل ثلاثة وثلاثون سنة فلم يؤمن منهم سوى رجلين، حتى يئس منهم فخرج غاضباً ومتوعداً إياهم بالعذاب بعد ثلاثة أيام وذلك من غير أن يأذن له الله بالخروج ومضى في طريقه حتى ركب سفينة أذن له أهلها بالسفر معهم لما توسموه فيه من خير، أما أهل نينوى فلما استشعروا بوادر وقوع العذاب عليهم دعوا الله أن ينجيهم فعفا عنهم.

وعندما صعد سيدنا يونس السفينة وسارت به إلى عُرض البحر، هاج البحر واضطرب، فقال من عليها أن بيننا صاحب ذنب وأجمعوا على أن يُلقوا واحداً منهم في البحر وحتى يخِف حمل السفينة وذلك بعد أن يقترعوا بالسهم ومن يقع عليه يُلقى في البحر، فلما اقترعوا أول مرة خرج اسم يونس ولأنهم توسموا فيه خيراً اقترعوا ثانيةً فخرج اسمه مجدداً فاقترعوا للمرة الثالثة فخرج اسم يونس أيضاً فعلم يونس أن ذلك لحكمة أرادها الله.

ولما قُذِف في البحر، أوحى الله لحوت عظيم فالتقمه أي ابتلعه واختلف المفسرون حول نوع الحوت والمدة التي قضاها يونس في بطنه فقيل ثلاثة أيام سار به الحوت في ظلمات البحر إضافة إلى ظلمة بطن الحوت لذا يشار إلى هذا الحوت بأنه القبر الذي سار بصاحبه، خلال ذلك سمع يونس صوت تسبيح المخلوقات لله، فأخذ يدعو الله ويسبِّحه ويستغفره ونادى ربه “لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين” حتى عفا الله عنه وقبل توبته وأمر الحوت فلفظه على اليابسة.

وأنبت الله له شجرة يقطين يستظل بها ويأكل من ثمارها وقد فسَّر العلماء اختيار شجرة اليقطين (القرع) تحديداً لأن ورقها لا يقربه الذباب وكان يونس قد خرج من الحوت ضعيفاً هزيلاً فالذباب قد يضره إذا وقع عليه لاسيما إن رائحة جسده ستجذبهم، كذلك فإن ورق اليقطين ورق ناعم أملس وثماره قد تؤكل نيئة والبعض يظن أن حوت يونس ما زال حياً إلى اليوم.

عَلِم سيدنا يونس عليه السلام أن ذلك كان ابتلاءً من الله لاستعجاله وخروجه من غير أن يُأذن له وعاد إلى أهل نينوى فوجدهم بانتظاره وقد تابوا إلى الله فأخذ يُرشدهم ويعلمهم حتى توفاه الله ويُعتقد أنه دفن في مدينة الموصل في مسجد يحمل اسمه.

 

قصة سيدنا إلياس

إلياس عليه السلام أو إلياس التشبي وممَّا جاء في نسبه ما ذكره محمد بن سعد كاتب الواقدي في ترتيب الأنبياء المرسلين بأنه إلياس التشبي بن العازر بن هارون بن عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام. وذكر آخرون أنه إلياس ابن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون والاختلاف حول نسبه كبير.

وإلياس تحريف للاسم العبري “إلياهو” ويعني “إلهي يهوه” أو “الله إلهي” أو “الله الأعلى” ويُعرف في اليهودية باسم إيليا، هو أحد أنبياء بني إسرائيل، بُعث من بعد النبي حزقيال والذي بُعث بدوره من بعد موسى وهارون عليهما السلام وهو ابن عم النبي إليسع وقال بن عباس أنه عمه لكن لا يذكر المؤرخون شيئاً عما إذا كان قد تزوج وترك نسلاً من بعده.

ولد إلياس في القرن التاسع قبل الميلاد في قرية لستب أو الإستب والتي كانت تعرف باسم تشبي ومنها جاء لقب إلياس “التشبي” وهي تقع في وادي الريان (الوادي اليابس) بمنطقة مار إلياس في محافظة عجلون بالأردن حالياً وعاش في جلعاد ضمن مملكة الأموريين وقد جاء ذكر إلياس في القرآن مرتين في قوله تعالى:

  1. (وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) الصافات – الآية 123.
  2. (وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ) الأنعام – الآية 85.

وذكر القرآن جزء من قصة سيدنا إلياس عندما بُعث لقومه، قال تعالى: (وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (124) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (125) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (126) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (128) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (129) سَلَامٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ (130) إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (132)). الصافات – الآية 123- 132.

حيث كان قومه يعبدون وثناً اسمه بعل فدعاهم لعبادة الله لكنهم كذبوه فتوعدهم الله بالعذاب يوم القيامة إلا من آمن به وجاء في تفسير “إل ياسين” أن المقصود بها آل إلياس أي أهله أو والده أو إلياس نفسه بينما فسرها البعض أن المقصود بها آل محمد .

أما مجمل قصته التي ذكرها المؤرخون فهي مستمدة من قصته في الديانة اليهودية حيث يحظى بمكانة كبيرة ومفادها أن إلياس بُعث لقوم بعلبك، في شمال لبنان وكانت حينذاك تابعة لمملكة إسرائيل التي تواجدت في الشمال بعد انقسام مملكة سليمان إلى مملكتين وكان عليها ملك يدعى آخاب بن عُمري وقد تزوج من امرأة فينيقية اسمها إيزابيل أقنعته بعبادة الأوثان ومنها بعل أحد كبار الآلهة لدى الفينيقيين والكنعانيين حينها. وهو الذي ورد ذكره في القرآن بقوله تعالى: (أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ).

وأغدقت إيزابيل الأموال ببذخ لبناء المعابد والتماثيل لبعل وغيره من الأوثان لتحويل بني إسرائيل عن عبادة الله ولما جاء إلياس يدعوهم للعودة إلى عبادة الله بعدما تركوها واتجهوا إلى عبادة الأصنام، كذَّبوا دعوته، فدعا إلياس عليهم فأمسك الله عنهم المطر فمات نباتهم وهلكت ماشيتهم واستمر ذلك الأمر ثلاث سنوات فأتوا إلياس يطلبون منه أن يزيح الله عنهم الغمة حتى يرجعوا إلى عبادته وعاهدوه على ذلك.

لكن ما لبث أن دعا لهم إلياس وعاد المطر حتى عادوا إلى كفرهم وضلالهم من جديد وتتبعوا إلياس ليقتلوه فهرب منهم إلى البرية وعاش بقية حياته بأحد الكهوف في جبل قيسون بدمشق وقيل في صيدا بلبنان حيث اعتكف به وكان يلازمه إليسع ثم أمر الله أن يقبض روحه ليُكمل إليسع رسالته بعدما شاخ في السن ولا يُعرف مكان دفنه تحديداً ومع ذلك له مقام يعرف باسم مقام النبي إلياس في قلقيلية بفلسطين.

ووفقاً للعقيدة اليهودية يُعتقد أنه ارتقى إلى السماء على عربة من نار. وهناك بعض المفسرين الذين يستدلوا بأحاديث موضوعة ضعيفة الإسناد تذكر أنه ما زال حياً وتصفه بصفات الملائكة كذلك تذكر اجتماعه بالخضر كل عام ولقائه النبي محمد .

 

قصة سيدنا اليسع

اليسع عليه السلام واسمه اليشع في العبرية ويعني “الله خلاص” هو اليسع بن أخطوب من نسل يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، أحد أنبياء بني إسرائيل، خلف النبي إلياس أو (إيليا) عليهم وقيل إنه كان ابن عمه فيما يعتقد البعض أنه وإلياس إنما نبي واحد وقد جاء ذكره في القرآن مرتين بقوله تعالى:

  1. (وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ). الأنعام الآية 86.
  2. (وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ وَكُلٌّ مِّنَ الْأَخْيَارِ). ص الآية 48.

لكن القرآن لم يرد قصته ضمن قصص الأنبياء في حين يُورد له العهد القديم قصة مطولة عن معجزاته المتعددة التي يشبه بعضها معجزات سيدنا عيسى وقد وصل عدد هذه المعجزات إلى خمسة عشر معجزة كما تناول العهد القديم أيضاً علاقته بملوك بني إسرائيل ومن جاورهم، لكنه بجانب المفسرين الذين تناولوا سيرة اليسع لم يذكروا شيئاً عن زوجته أو ذريته.

وفقاً للعهد القديم ولد اليسع في القرن التاسع قبل الميلاد في قرية آبل محولة قرب بحر الجليل وربما هي عين حلوة حالياً التي تقع جنوب بيسان بفلسطين فيما يذكر البعض أنه ولد في بانياس بسوريا ويُذكر أنه خلَف النبي إيليا في بني إسرائيل في المملكة الشمالية وهو من سبط ياساكر بن يعقوب وكان يعمل في حرث أرضه بواسطة اثني عشر زوجاً من الثيران والتي تركها ليتبع النبي إيليا حيث أصبح تلميذه ونبياً من بعد وفاته حيث منحه الله العديد من المعجزات هي بالترتيب:

  1. شق نهر الأردن وعبوره إياه بعدما ألقى فيه ثوب إيليا الذي ورثه.
  2. تحويل المياه الفاسدة في أريحا إلى مياه عذبة صالحة للشرب.
  3. لعن الصبية الذين سخِروا منه.
  4. سقى ثلاثة جيوش لمملكة إسرائيل الشمالية ويهوذا وأدوم خلال حملتهم العسكرية على مملكة موآب بعدما هبطت في وادي من غير ماء.
  5. زيادة الزيت لدى الأرملة التي جاءت تشكو له من المُرابي الذي سيأخذ ولديها لعدم سداد دين زوجها فأخذت تملأ منه جراراً ثم باعتها وسددت بثمنها الدين.
  6. إحياء ابن المرأة الشمونية الذي مات بضربة شمس.
  7. إبطال مفعول السم في الطعام الذي أكل منه تلاميذ مدرسة الأنبياء في مدينة الجلجال بترياق صنعه لهم.
  8. إطعام مائة رجل بعشرين رغيف حتى شبعوا.
  9. إبراء نعمان قائد الجيش الآرامي من داء البرص بعدما طلب منه الاغتسال سبع مرات في نهر الأردن.
  10. لعن خادِمَه جيجزي بداء البرص لطمعه وجشعه بعدما لحق بنعمان ليحصل منه على الهدايا التي قدمها لليشع الذي رفضها وذلك بعدما شُفي نعمان من داء البرص.
  11. استرجاع فأس حديد سقط لأحدهم في الماء كان قد استدانه، بأن جعله يطفو ثم انتشله من الماء.
  12. التنبؤ بتحركات جيوش الآراميين لمهاجمة مملكة إسرائيل وتحذيره لملكها بالخطر القادم.
  13. التنبؤ برفع الحصار عن السامرة عاصمة مملكة إسرائيل الشمالية ورحيل الآراميين عنها وانتهاء المجاعة في المدينة المحاصرة.
  14. التنبؤ بوفاة ملك الآراميين وصعود حزقيال مكانه وقتله لبني إسرائيل وتشريدهم.
  15. إحياء رجل ميت دفن معه في نفس قبره لما مات بعدما مس جسده.

وقد توفي اليسع في سنة 790 ق.م. ويذكر أن له ضريح في الأوجام في القطيف بالمنطقة الشرقية للسعودية، يُعتقد أنه دفن فيه وكان مزاراً للحجاج خلال الفترة العثمانية، لكن السلطات هناك أزالته لمخالفته منهاج السنة والجماعة ولم يتبق منه سوى أثره، فيما يُعتقد أنه مدفون في بلدة إييل بمحافظة ديار بكر بتركيا التي تحتضن العديد من أضرحة الأنبياء.

 

قصة سيدنا ذو الكفل

ذو الكفل عليه السلام، أحد الأنبياء الذين ذكروا في القرآن ضمن قصص الأنبياء الصابرين الأخيار وذو الكفل هو لقبه مثل ذو القرنين وذو النون وقيل أن اسمه في الأصل هو بِشر وإنما سمِّي ذو الكفل لأنه تكفَّل للنبي اليسع أن يتولى أمر قومه من بعده وأن يقيم فيهم العدل بينما يرى البعض أنه سُمِّي بذلك لأنه تكفل بالصلاة مائة ركعة يومياً.

ويربطه البعض بالنبي حزقيال أحد أنبياء اليهود، الذي ولد في القرن السادس قبل الميلاد وعاش 75 عاماً بالعراق وقد عاصر حزقيال السَّبي البابلي لليهود إبان عهد نبوخذ نصر وسُبي معهم وعاش مع زوجته أثناء السَّبْي في بابل ناحية نيبور الحالية من العراق بالقادسية ولا يُذكر أنه خلف ذرية من بعده.

وهناك من يختلف على نبوة ذي الكفل فيزعم أنه كان مثل الخضر رجلاً صالحاً ولم يكن نبياً وذهب بعض المؤرخين إلى أنه ابن النبي أيوب أو من نسله وأنه بعث في أهل دمشق وذكره القرآن مرتين ولم يذكر قصته، بقوله تعالى:

  1. (وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ). سورة الأنبياء – الآية 85.
  2. (وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ وَكُلٌّ مِّنَ الْأَخْيَارِ). سورة ص – الآية 48.

يُعتقد أن ذا الكفل ولد سنة 600 قبل الميلاد وعلى الرغم من أنه لا يُعرف الكثير عنه من مصادر تاريخية أخرى عن قصص الأنبياء، فإن جميع كتابات المفسرين التقليديين، مثل ابن إسحاق وابن كثير، تتحدث عن ذو الكفل باعتباره رجلاً صالحاً ظل أميناً في الصلاة والعبادة اليومية.

ومما ذكره بن جرير عنه، أن النبي اليسع جمع الناس ذات يوم ليخلِف عليهم أحداً من بعده فخطب فيهم بمن يضمن له ثلاث حاجات هي صيام النهار وقيام الليل وعدم الغضب فسكت الناس فلم يخرج له أحد سوى ذو الكفل فانتظر إلى اليوم التالي وخطب فيهم بمثل ما قال مسبقاً فسكتوا وخرج ذو الكفل متعهداً له بالحاجات الثلاث فخلفه اليسع عليهم لذلك يعتقد البعض أنه سُمي ذو الكفل لأنه تكفل للنبي اليسع بتلك الحاجات.

وقد حاول إبليس بعدما تنكَّر له في صورة شيخ كبير أن يصُدَّه عن أي واحدة منهم فلم يقدر، فسمَّاه الله ذا الكفل لأنه وفى بالأمر الذي تكفل به. هذا ويعتقد البعض أنه دفن في محافظة ارجاني في ديار بكر بتركيا في مقام باسمه يقع على بعد 5 كم من وسط المدينة على تل يسمى مقام داغي، بجوار عدد من الأضرحة لعدة أنبياء مثل هارون وإلياس ودانيال وذو النون.

كذلك يوجد مقام له في بلدة كفل حارس بفلسطين، شمال القدس وهناك من يقول أنه دفن في إيران وأكثر الآراء تقول أن له قبراً في مدينة الكفل العراقية المسماة على اسمه وفي نفس الوقت هو قبر النبي حزقيال بالنسبة لليهود والذي كان مزاراً يحجون إليه وبالرغم من تطابق شخصية حزقيال في التراث اليهودي مع ذي الكفل يربطه البعض ببعض أنبياء اليهود الآخرين مثل يوشع بن نون وإشعيا وشخصية عوبديا.

 

قصة سيدنا زكريا

زكريا عليه السلام أو زكرياء أو زكري هو أحد أنبياء بني إسرائيل وأبو النبي يحيى واسمه يعني (ذكره الله)، اختلف المفسرون في تسمية تسلسل نسبه، يذكر بن عساكر أنه زكريا بن لدن بن مسلم بن صدوق بن حشبان بن داود بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن برخيا بن بلعاطة بن ناحور بن شلوم بن بهفاشاط بن اينا من ابن رحبعام بن سليمان بن داود.

في حين يرى البعض أنه من نسل هارون والذي بدوره من نسل يعقوب لقوله تعالى: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا). مريم-الآية 6. وهو قول زكريا عندما كان يناجي ربه أن يرزقه الذرية وهو زوج إيشاع أو إليصابات حسب رواية العهد القديم وهي خالة السيدة مريم أو أختها، عاش زكريا في القرن الأول قبل الميلاد في القدس وتوفي في سنة 20 ميلادية وورد ذكره في القرآن سبع مرات وكان عمله نجاراً فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: “كان زكرياء نجاراً”. (صحيح مسلم).

كان زكريا من كبار الربانيين القائمين على خدمة بيت المقدس في وقت فسد فيه بني إسرائيل وطغى ملوكهم واستحلُّوا دماء الأنبياء وكان كبير هؤلاء الربانيين عمران بن ياشهم زوج حنة بنت فاقوذا أخت زوجة زكريا ولم يكن لحنة أولاد وفي يوم رأت طائراً يطعم فراخه فتحركت في نفسها عاطفة الأمومة، فدعت الله أن يرزقها ابناً ونذرت أن تهبه لخدمة بيت المقدس.

فتقبَّل الله دعائها فحبلت بعد أن كانت عاقراً لثلاثين سنة وتوفي عمران قبل أن تضع حنة مولودها والذي ظنَّته ذكراً، إلا أن الله رزقها بمريم والتي أصبحت يتيمة من بعد وفاة عمران ووفت حنة بنذرها فوهبتها لتخدم بيت المقدس وهناك تنافس الربانيون في كفالتها حتى لجأوا إلى الاقتراع وكان اقتراعهم أن يرموا أقلامهم في النهر (قيل نهر الأردن) فمن يطفو قلمه فوق الماء يتولى كفالة مريم ولما رموا أقلامهم رسبت كلها فيما عدا قلم زكريا فوقعت القرعة عليه فتولى كفالتها.

نشأت مريم في المحراب في غرفة خاصة لها بعيداً عن الرجال، حيث كانت تتعبَّد إلى الله وكان زكريا كلما زارها وجد عندها رزقاً وكان يتعجب من ذلك ويسأل عن مصدره فتخبره مريم أنه من عند الله ولما تقدم به السن وكانت امرأته عاقراً أيضاً دعا الله أن يرزقه ولداً يتولى أمر بني إسرائيل ويرثه فقد خشي من مخالفة الربانيين لشرع الله من بعده.

وبينما هو قائم يصلي في المحراب نادته الملائكة مبشرة، كما بشرت سارة بإسحاق من قبل، بأن الله استجاب دعاءه بغلام اسمه يحيى لم يتسمى به أحد من قبل وقيل أن زكريا وقتها كان في التاسعة والتسعين سنة (أو في الثانية والتسعين) وزوجته في الثامنة والتسعين، عندما بُشر بيحيى وقد طلب زكريا من الله أن يجعل له علامة بوقوع الحَمل، فجعل الله علامته ألا يكلم الناس لمدة ثلاثة أيام فكان يخاطبهم بالإشارة، فعلموا أن الله أمره بذلك.

وبالنسبة لوفاته، قيل إن بني إسرائيل قتلوه من بعد قتلهم لابنه يحيى، حيث أنهم طاردوه فاختبأ في شجرة انشقت له فدخل في جوفها وقد دل الشيطان بني إسرائيل على مكانه داخل الشجرة وأشار إليهم بشق الشجرة فشطروها إلى نصفين بالمنشار وذلك يشبه قصة قتل النبي إشعياء في العهد القديم بينما يرى بعض مفسري قصص الأنبياء أنه توفى طبيعياً عن عمر 120 سنة ودفن في قبر أبشالوم على جبل الزيتون بالقدس بحسب اليهود ومع ذلك له مقام بالمسجد الأُموي بدمشق.

 

قصة سيدنا يحيى

يحيى عليه السلام هو ابن النبي زكريا وفي قصص الأنبياء المسيحية هو يوحنا المعمدان الذي عمد المسيح حسب المعتقد المسيحي ويحيى ويوحنا يقابلهما اسم جون بالإنجليزية وأصل اسم يوحنا بالعبرية هو “يهوه حنان” بمعنى (الله حنان) واسم لم يُسم أحد به من قبل كما جاء في القرآن بقوله تعالى: (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا). سورة مريم-الآية 7.

وقد قابله النبي خلال رحلة الإسراء والمعراج في السماء الثانية مع سيدنا عيسى عليه السلام واللذان استقبلاه بقول: “مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح” وهو النبي الذي أرسل الله عليه السلام يوم ولادته ويوم موته ويوم بعثه.

وذكر القرآن اسم يحيى خمس مرات ومما ذكره عنه أن زكريا كان يناجي ربه، بعدما أصبح شيخاً كبيراً وكانت امرأته عاقراً لا تلد، أن يرزقه ولداً، فاستجاب الله له ورزقه بيحيى الذي أعطاه النبوة منذ صغره ويُذكر أنه لما كان الصبيان يدعونه للعب كان يرد: “ما لِلَعِبٍ خُلِقنا”، ومن ضمن الصفات التي ذكرها القرآن عنه أنه كان تقياً، باراً بوالديه وحصوراً.

قال تعالى: (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ). عمران-الآية 39. وقد فسَّر بعض المفسرين كلمة “حصوراً” بأنها تعني المعصوم من الذنوب وهو ما ذكرته أيضاً بعض الأحاديث النبوية، فعن بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله قال: “ما من أحد من ولد آدم إلا قد أخطأ أو همَّ بخطيئة؛ ليس يحيى بن زكريا” (مسند أحمد).

ولد سيدنا يحيى عليه السلام في بني إسرائيل بفلسطين في نفس السنة التي ولد فيها المسيح كما يُعتقد وأمه هي أشياع بنت عمران أو أليصابات حسب المسيحية وهي خالة مريم عليها السلام أو أختها حسب تفسير ابن كثير وبذلك يكون عيسى ابن خالته وكان يحيى منذ صغره تقياً كثير البكاء من خشية الله حتى ترك ذلك أثراً على خدَّيْه.

ولا يذكر لنا القرآن والسنة قصته مع قومه والتي يوردها بعض المؤرخين متشابهة مع قصة يوحنا المعمدان ومفادها أن ملك بني إسرائيل وقتها هيرود أنتيباس رغب في أن يتزوج من أحد محارمه وتدعى هيروديا وأراد من يحيى أن يشرع له ذلك، فرفض ونهاه عن فعلته فما كان من الملك إلا أن أرسله إلى السجن

وقد حقدت هيروديا على يحيى وأوغرت عليه قلب الملك حتى طلبت منه قتله وسعت في ذلك وقد رفض الملك في البداية حتى كان يوم عيد لا يرفض فيه الملك طلباً لأحد، فسألته هيروديا في قتل يحيى، فأجابها وأمر حراسه فقتلوا يحيى وقطعوا رأسه فقدمه في طشت من ذهب لها.

وتُذكر هذه الرواية بعدة تفاصيل مختلفة منها أن هيروديا حرَّضت ابنتها سالومي على أن تطلب من الملك قتل يحيى فاستجاب الملك لطلبها ويقال أن رأس يحيى دفن في المكان الذي بُني عليه المسجد الأُموي بدمشق حيث يوجد مقام له هناك، فيما يُذكر أن بعض المواقع والكنائس تحتفظ بباقي رفاته في نابلس وروما وأرمينيا وغيرها وتحتفل بعض الكنائس المسيحية بذكرى هذا اليوم كعيد في 29 أغسطس من كل عام.

يَذكر بعض مفسري قصص الانبياء أيضاً أن هيرود قتل يحيى بعدما خشي أن يثير الناس ضدَّه بعدما كثُر أتباعه ويعتقد العديد من اليهود أن هزيمة هيرود بعد ذلك في واقعة جلعاد على يد الحارث الرابع ملك الأنباط، ثم نفيه إلى إسبانيا كانت عقاباً إلهي لقتله يحيى.

قد يعجبك أيضاً
أكتب تعليق

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك، ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت. حسناً قراءة المزيد